مجموعة مؤلفين

مقدمة 11

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

تشتيت عناصر مذهبه ، إخفاء لحقيقته الكاملة ، أوضنا به على من ليس أهلا لفهمه « 1 » . وقد أدى ذلك في الماضي إلى تباين الرأي في تصويره والحكم عليه . أما اليوم وقد جمعت عناصره ، فإنها تؤكد أنه صورة من أوضح الصور لما نسميه وحدة الوجود ( Pantheism ) ، وقد أثبتنا في وضوح وجوه الشبه بينه وبين مذهب اسبينوزا في التاريخ الحديث . ومن العسير أن نقطع بأنه « لا وحدة ولا حلول » عنده « 2 » ، لا سيما وفكرة وحدة الوجود في أساسها وليدة فرط إيمان ، وإن رمى بعض أنصارها بالإلحاد والزندقة . * * * وإذا كان لهذا الصوفي الكبير من أثر فيمن جاء بعده ، فإنما يرجع بوجه خاص إلى جانبه النظري الذي دار حول فكرة وحدة الوجود . فقد كان موضع أخذ ورد طويلين ، وطبع التصوف الإسلامي بطابع لانزال نلحظه حتى اليوم « 3 » . وكان له أتباع من الشيعة وأهل السنة على السواء ، أخذوا عنه مباشرة ، أو تتلمذوا له عن طريق كتبه . وأوضح ما يكون هذا الأثر لدى شعراء الفرس والترك ، أمثال جلال الدين الرومي وحافظ . ولا يزال لابن عربى في بلاد فارس مدرسة متصلة ، انبعثت منها نسمات إلى الهند وإندونيسيا « 4 » . ولا شك في أن الجيلى في كتابه « الإنسان الكامل » قد زاد مذهب وحدة الوجود وضوحا ، وصاغه صياغة أيسر « 5 » . ولم يقف البحث في تتبع أثر ابن عربى الفلسفي عند مفكري الشرق ، بل امتد إلى بيان ماله من أشباه ونظائر في الغرب ، وخاصة عند اسبينوزا ،

--> ( 1 ) ص 16 . ( 2 ) ص 204 - 208 . ( 3 ) ص 25 . ( 4 ) ص 359 - 365 . ( 5 ) 26 - 32 .